الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 198] ، وطرق الهداية ومراتبها كثيرة ومتنوعة تبين فضل الله تعالى في إيصال أمره إلى خلقه، وقد ذكرنا منها خمسًا في العدد الماضي، ونكملها إن شاء الله في هذا العدد:
المرتبة السادسة
مرتبة البيان العام؛ وهو البيان للحق وتبيينه وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه، بحيث يصير مشهودًا للقلب، كشهود العين للمرئيات. وهذه المرتبة هي حجة الله تعالى على خلقه، التي لا يعذب أحدًا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 15] ، يعني يبين لهم كيف يتقون الضلالة ويتقون عذاب الله، ويظهر ذلك لهم واضحًا بينًا لا لبس فيه، فحينئذٍ يكون الإضلال عقوبة منه تعالى لهم، إذ قد بيَّن لهم فلم يقبلوا ما بيَّنه لهم ولم يعملوا به فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه أحدًا قط إلا بعد هذا البيان، الذي لا يكون لهم بعده حجة: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [البقرة: 165] .
والذي يفهم هذه المسألة يعرف سر القَدَر ومعناه، وتزول عنه شكوك كثيرة، وتنجلي عنه شبهات خطيرة في هذا الباب، بل ويعلم حكمة الله تعالى في إضلاله من يضله من عباده، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع كقول الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] .