نظرية الإباحة في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها المعاصرة - الحلقة الأولى -
بقلم الشيخ / محمد عبد الحكيم القاضي
باحث إسلامي
من أهم عوامل النهضة الفكرية القائمة على الجذور الأصيلة للأمة وجود الوعي بالصلة بين مستحدثات التشريعات المعاصرة وأصول هذه القضايا في التراث التشريعي، وهذا هو ما يلمحه، بل يتحققه المتأمل في موروث الأمة الإسلامية الفقهي إذا ما قارن به المسميات التشريعية المعاصرة.
ولو أخذنا شريحة من شرائح هذا العطاء، وهي ما يمكن أن نطلق عليه (نظرية الإباحية في الشريعة الإسلامية) لشعرنا بمدى تغلغل هذا المفهوم وتطبيقاته في الحياة المعاصرة، ومدى إفادة القوانين الحديثة منه سواء قصدت ذلك أم لم تقصد.
معنى الإباحة:
فالأصل اللغوي للإباحة هو المادة (بوح) ، يقول ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) (1) : (الباء والواو والحاء أصل واحد، وهو سعة الشيء وبروزه وظهوره) .
قال: (ومن هذا الباب إباحة الشيء وذلك أنه ليس بمحظور عليه فأمره واسع غير مضيق) .
والمراجع لأي معجم من المعاجم اللغوية يلاحظ أن الأصل الواعب الذي استخلصه ابن فارس هو الأصل الذي ترجع إليه الاستخدامات اللغوية لهذه المادة باشتقاقاتها المختلفة، أما التوصيف الأصولي للإباحة فهو فرع على هذا المعنى اللغوي، فالإمام الشاطبي يعرفها بقوله: (إنها التخيير بين فعل الشيء وتركه من غير مدح ولا ذم لا على الفعل ولا على الترك) (2) .
وحول هذا المعنى دندن الأصوليون عمومًا، فبعضهم يضع قيدًا صوريًّا، وبعضهم يقرر تطبيقًا معينًا (3) ، إلا أنها عمومًا ترجع إلى معنى (الإطلاق في مقابلة الخطر الذي هو المنع) (4) ، ولعل لفظة (الإطلاق) أراحت صدر القائمين على موسوعة عبد الناصر في الفقه فاعتبروها دالة على (الإطلاق من جانب الله تعالى أم من جانب العباد، فهو أعم من تعريف الفقهاء الذين قصروا الإباحة على تخيير الله لعباده) (5) .