فهرس الكتاب

الصفحة 12879 من 18318

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد:

فقد أشرت في اللقاء السابق إلى أن نظم القرآن معجز بديع، ووعدت أن أذكر بعض الوجوه التي توضح ذلك (1) .

من إعجاز القرآن الكريم تميز كلامه عن سائر الكلام بإطلاق

وذلك ثابت من وجوه كثيرة:

فمنها: ما يرجع إلى جملة القرآن، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.

ومنها: أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، والقرآن مع كثرته وطوله متناسب في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به في قوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] ، وهذا مدح من الله لكتابه ولما اشتمل عليه من أحسن الحديث في لفظه ومعناه، فهو ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب، ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه. قال القاسمي - رحمه الله - في تفسيره للآية: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} أي: يشبه بعضه بعضًا في الصحة والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق، ووجوه الإعجاز، «مثاني» جمع «مُثْنًى» بمعنى مردَّد ومكرر، لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره، ونواهيه، ووعده ووعيده ومواعظه» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت