فهرس الكتاب

الصفحة 10868 من 18318

ويل للمطففين

كتبه: صلاح عبد المعبود

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ... وبعد:

كثيرًا ما نرى رجلين متخاصمين في أمر من أمور الدنيا، وإذا بالذى عليه الحق يسارع في جلب شاهد- قد فسد طبعه- فأدلى بشهادة زور تخالف واقع الحال فأعطى الحق إلى غير صاحبه.

وكثيرًا ما نرى أيضًا رجلًا قد أوكل إليه الإشراف على مال يتيم ورعاية شئونه على أن يأكل منه بالمعروف، فما كان منه إلا أن خربت ذمته وأخذ يأكل من هذا المال الذى بين يديه بدون إنصاف.

وإذا كان بين ظهرانينا قاض يحكم بين الناس بغير الحق فلا ينتصف للمظلوم ولا يعيد الحق إلى أصحابه وتبلد قلبه وساءت ظنونه فلم يعد يهتدى إلى الصواب.

وإذا وجد بين الناس من يطفف المكيال والميزان، بحيث إذا كال لنفسه زاد في الكيل وإذا كال لغيره أنقص منه، همه في ذلك أن يكسب المال الزائد، ظانًّا- وظنه خاطئ- أن ربحه سيزداد يومًا بعد يوم إذا ما استمر على هذا الحال فعميت بصيرته عن معرفة الحقيقة فأمعن في الإساءة.

فذلك الذى شهد الزور وكان سببًا في ضياع الحق عن صاحبه سيلقى هو ومن شهد له قطعة من نار يوم القيامة يوم العرض على الله تعالى، كما أشار إلى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وذلك الذى أكل مال اليتيم ظلمًا وعدوانًا، وما رعاه حق رعايته ستكون عاقبة أمره خسرًا وسيبوء بغضب من ربه وهو يأكل النار، كما أشارت لذلك الآية الكريمة: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: 10] .

وهذا الذى يجور في حكمه، فلا يعطى الحق صاحبه ولا يقتص من الظالم، فهو من الأخسرين الأذلين عند الله، وسيحشر يوم القيامة في ظلمات بعضها فوق بعض.

وذلك الذى يطفف الكيل والميزان ولا ينظر إلا إلى مصلحته لم يراع مصلحة غيره، سيصيبه الويل والدمار يوم العرض على الله، وسيتبوأ مقعده في جنهم وبئس المصير، قال تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 1 - 3] . فجميع أولئك من شهود الزور وآكلى مال اليتيم والقضاة الظلمة ومن يطفف في الميزان وغيرهم من الذين ظلموا أنفسهم، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أخذتهم الدنيا بزخارفها، وغرتهم الأمانى فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم فأصبحت كالحجارة، ولم يضعوا في حسبانهم أن لهم يومًا يقفون فيه للحساب بين يدى الله، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره} [الزلزلة: 8، 7] .

فعلى العاقل أن يتأمل في نفسه، ويعلم أن له يومًا يصير فيه إلى القبر، وليتأمل في حال من سبقه ومن كانت الدنيا تزهو بين أيديهم، فإذا هم في لحظة يتحدث الناس عن مصائرهم وما آلوا إليه.

ولا ينفع حينذاك المال الذى يؤكل عن طريق السحت الحرام من مال اليتيم وشهادة الزور ومن تطفيف الكيل والميزان، كما لا يفيد الجاه ولا السلطان، {ما أغنى عنى ماليه. هلك عنى سلطانيه} [الحاقة: 28، 29] ، ولا يفيد ذلك كله، فإنه زائل لا محالة، ولا يتبع الميت يوم موته إلا ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع الأهل والمال ويبقى معه العمل، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالبدار البدار لطاعة الله والتفكر في هول ذلك اليوم العظيم الذى يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لنحيا الحياة الطيبة الكريمة التى أرادها الله لنا: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] .

والله من وراء القصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت