نفحات قرآن
بقلم: بخاري أحمد عبده
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)
بينت أن تعمق الذات، واستقصاء أبعاد النفس إيجابًا، وسلبًا، كان ديدن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وتتبعت - لتوضيح هذه القضية - مواقف في سيرة أنبياء كرام، ظننت أنها تلقى الأضواء، أو تخدم الفكرة التي مضيت أعالجها، واستكمالًا لما بدأت، أختتم تلك الحلقة بلمحة من سيرة خاتم الأنبياء.
(إنما أنا بشر)
ونبينا عليه الصلاة والسلام، ذهب في نقد الذات إلى أبعد مما ذهب إليه إخوانه المرسلون عليهم السلام. فهو صلى الله عليه وسلم لم ينقد نفسه على ضوء التجاوزات التي تصدر - فعلًا - عنها، بل فقه طبيعة الجبلة البشرية الخطاءة، وتمثل ما يمكن أن ينضح به الحمأ المسنون من إفرازات، وشغل بذلك أيما شغل، فأخذ يتضرع إلى الله أن يغفر له، إن وقع منه شئ من ذلك. بل نظر إلى من أوذى، وطلب من الله أن يحيل بليته عطية، ومحنته منحة، والمكروه محبوبًا.
روى مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته، أو سببته، أو جلدته، فأجعلها له كفارة، وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة).
كذلك روى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا بشر، وإني اشترطت على ربي عز وجل، أي عبد من المسلمين سببته، أو شتمته، أن يكون له ذلك زكاة وأجرًا) .
ولقد صدق الله حدث رسوله صلى الله عليه وسلم، فوقع ما تخوفه من نفسه - الآدمية - التي تبلى بالنسيان وبفلتات اللسان.