فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 18318

حقيقة وشريعة ..

بقلم فضيلة الأستاذ الشيخ

محمد الغزالي

مدير عام إدارة الدعوة بوزارة الأوقاف

جلست يومًا أختم الصلاة وأردد الألفاظ المائة المأثورة، متدبرًا ما تدل عليه من تسبيح وتحميد وتكبير، بيد أن الشيطان سرق فكري دون أن أدري فإذا أنا أسرح في إحدى القضايا أستعرض أحداثها وأتتبع مراحلها وأتوجس من نتائجها!!

وغصت في أعماق القضية العارضة حتى ارتطمت بقاعها ولساني يحصي آخر الكلمات المائة التي تعقب الصلوات المكتوبة، لتكون ذكرًا بعد ذكر، وتحية بعد تحية!!!

وشعرت بتناقض بين حالي ومقالي، وساءلني ضميري: أكنت حقًا تذكر ربك، وتسبحه وتحمده وتكبره؟

ولم يكن للكذب مجال، لقد كان فؤادي في واد آخر، وإن كان لساني يردد ما تعوده من كلمات ..

لقد كنت حاضر كغائب، أو غائب كحاضر، وما أستطيع الزعم بأني فيما همهمت كنت من الذاكرين!!

إن البون بعيد جدًّا بين الكلمات التي تنطق بها، وبين معناها المصاحب لها، المخبوء تحت حروفها ..

لو كانت إدارة الألفاظ على الشفتين تثبت معانيها للفور كما تدبر أزرار الكهرباء فتسطع المصابيح للفور، كلنا في حال غير الحال، ووضع غير الوضع! ولكن المسافة شاسعة بين الكلمات ودلالتها الملاصقة.

وكم فينا من ببغاوات تجري على أفواههم كلمات جليلة، فإذا ذهبت نلتمس حقائقها في نفوس القائلين، وجدت الفراغ أو وجدت النقيض.

والمؤسف أن أغلب معاملتنا لله يسيل من هذه العين الحمئة!!

إن أسوأ ما يعتري الفرائض المكتوبة والعبادات الرتيبة أن يؤديها المكلفون، وهم في شبه غيبوبة، لا تلاحق عقولهم معانيها ولا تحصل نفوسهم حكمتها.

ويقول علماء النفس: إن درجات الحس تتفاوت عند مباشرة المرء لشتى الأعمال، فقد يقع الإحساس في بؤرة الشعور، وذلك في حالات الانتباه الكامل، وقد يهبط الوعي إلى حاشية الشعور، عند ملاحظة أمور مألوفة.

وهناك منطقة شبه الشعور التي تصحب القيام بأعمال معتادة، وأظن بعض الدواب تشارك البشر في هذه الحالة، فهي إذا دربت على أشغال معينة أدتها بدقة، دون وعي طبعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت