أسباب اختلاف العلماء
بقلم: أسامة سليمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإنه من رحمة الله بهذه الأمة أن الخلاف الناشئ بينها ليس في أصول دينها، وإنما وقع الخلاف في الفرعيات، وذلك نظرًا لاختلاف الفهم والإدراك، فقد يفهم عالم من النص ما لا يفهمه غيره، فالفهم رزق وعطاء، فابن عمر رضي الله عنهما بالرغم من حداثة سنه بين الصحابة الأخيار، أدرك ما لم يدركه غيره، عندما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشجرة التي لا يسقط ورقها والتي تشبه المؤمن، ففهم ابن عمر أنها النخلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهو يأكل جُمارًا، ولكن منعه الحياء من الحديث، فعاتبه عمر رضي الله عنه، وابن عباس، فهم من سورة النصر ما لم يفهمه سواء، حيث رأى أنها تشير إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه لا يمكن أن نتصور أن عالمًا ربانيًا يعلم الحق يتعمد أن يحيد عنه، فهذا محال في حقهم، لكن الخلاف يقع في العادة نظرًا لأسباب منها:
1 -عدم بلوغ الدليل للمخالف:
ومن أمثلة ذلك ما وقع بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم عند سفرهم لأرض الشام علموا أن بها وباء الطاعون، فاستشار عمر رضي الله عنه من معه من الصحابة رضوان الله عليهم فاختلفوا على رأيين؛ فريق يرى أنه لا بدَّ من دخولها لأن عدم دخولها فرار من قدر الله، وفريق يرى عدم الدخول أخذًا بالأسباب وبعدًا عن المرض، فظل الخلاف حتى جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ومعه الدليل الذي خفي على عمر رضي الله عنه ومن معه، وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه» . رواه البخاري، كتاب الطب.
فأنت ترى أخي في الله أن الخلاف وقع بين الفريقين، لغياب الدليل، وبعد بلوغهم الدليل اتفق الجميع على رأي واحد.
وذلك أيضًا حدث عند اختلافهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، على المكان الذي يدفن فيه حتى قطع الصديق الخلاف بما عنده من دليل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، ومن ذلك أيضًا خلاف ابن عباس وعلي رضي الله عنهم بشأن عدة المرأة التي مات عنها زوجها، فقد رأى أن عدتها بأطول الأجلين، وذلك لأن حديث سبيعة الأسلمية لم يصل إليه، حيث ثبت أنها وضعت الحمل بعد موت زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، وغاب عن الصديق رضي الله عنه حكم ميراث الجدة حتى بلغه الدليل.
وهكذا نرى أن الخلاف قد يقع نظرًا لغياب الدليل عن المخالف، لا لتعمد المخالفة.
2 -عدم الثقة في الدليل لمخالفته لما هو أوثق منه:
من ذلك ما وقع من عمر رضي الله عنه عندما رد حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، حيث طلقها زوجها ثلاثًا وأرسل إليها مع وكيله بشعير كنفقة لها في عدتها، لكنها سخطت الشعير ولم تأخذه، فلما وصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نفقة لها ولا سكنى» .