فهرس الكتاب

الصفحة 1701 من 18318

من وحي الهجرة

الهجرة جهاد لا فرار

كلما أهل علينا هلال المحرم، جالت في خواطرنا أحداث تاريخنا العظيم، ولا أقول تذكرنا هذه الأحداث، فهي لا تنسى حتى نتذكرها، بل هي كامنة في نفس كل مؤمن، قد اعتبر المسلمون الهجرة بداية تأريخهم لما فيها من كفاح وتضحية وجهاد (المحرم يعتبر بداية التأريخ الهجري، أما الهجرة فقد وقعت في شهر ربيع الأول حيث كان وصول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة في الثاني عشر منه) .

لقد ظل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يدعو في مكة طيلة ثلاثة عشر عامًا، تعرض المسلمون خلالها لأشد أنواع العذاب، لم يترك المشركون رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يبث دعوته، وينشر دينه، وإن بقوا هم على شركهم وكفرهم، ولكنهم وقفوا في طريق نشر هذه الدعوة بصلف وغرور، وحاولوا أبعاد الناس عن القرآن الكريم، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .

فكانت حكمة اللَّه عز وجل أن لا يبدأ القتال مع المشركين في هذه الآونة، لأن الإسلام في حاجة إلى أهله لكى تتكون منهم أمة تنشر دين اللَّه في الجزيرة العربية وفيما حولها، ثم إن قويت هذه الأمة استطاعت أن تدافع بعد ذلك عن هذا النبت الذي غرسته، فلم يكن بد من الهجرة من مكة بعد أن أغلقت القلوب فيها أمام هذا الدين الجديد، وبعد أن تآمروا على حياة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وإهدار دمه ليضيع ثأره بين القبائل، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ (ليثبتوك: ليحبسوك) أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .

فلم تكن الهجرة فرارًا ولا هروبًا من مشركي مكة، ولكنها كانت جهادًا لنصر دين اللَّه ونشره، فما سبقها من مقدمات كبيعتي العقبة كان جهادًا، وما صاحبها من تخطيط وتنظيم للرحلة كان جهادًا، وما أعقبها في المدينة كان جهادًا، كانت كل مراحلها جهادًا في سبيل اللَّه، لا يبغي أصحابه إلا وجه اللَّه ورحمته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218] .

وعن وجود رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه، يقول اللَّه عز وجل: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت