فهرس الكتاب

الصفحة 2442 من 18318

الهجرة المحمدية حدث غير وجه التاريخ

بقلم

فضيلة الشيخ عبد الفتاح إبراهيم سلامة

الحلقة الثالثة

لماذا المدينة

وهذا سؤال يراود الأذهان، وهو: لماذا اختار رسول اللَّه صلوات اللَّه عليه وسلم- المدينة مكانا للهجرة.

-إن بعض المستشرقين ومن ورد آبارهم الآسنة السامة، يدلون بأسباب لا تتسع هذه العجالة لأن نسارعهم الحساب عليها .. فالقول بجودة تربة المدينة ووفرة ثمارها، ليس مبررًا للهجرة إليها، فقد يكون الغنى والترف صارفين عن سبيل اللَّه، كما بين القرآن من غير موضع. والقول بوجود قرابة للرسول في المدينة يجاب عليه: بأنهم لن يكونوا أمس رحما، ولا أقوى آصرة من ذوى قرابته بمكة، وقد كان من عمه أبى لهب وأمثاله ما هو معروف مشتهر.

لكننا قبل أن نستمر في سرد مثل هذه الأقوال وتفنيدها، نعاود النظر إلى السؤال القائل: لماذا اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة؟.

ونقطة البدء في الإجابة:

إن اختيار المدينة ليس من عند الرسول- صلوات اللَّه عليه- بداية، وليس استجابة لطلب نفر من أصحابه، وليس رأيًا اقترحه عليه إنسان، ولو أن أهل مكة جميعًا أرادوا إخراجه، وقام أهل المدينة أجمعون بأسيافهم حراسًا له، وحماة على طريق ذللوها تذليلا، وفرشوها له بسطا وورودًا، ما تحرك من مكانه شبرا واحدًا، ما لم يأذن له رب العالمين.

وإذًا فإن السؤال يجب أن يكون: لماذا اختار أحكم الحاكمين المدينة مهجرًا لخاتم أنبيائه ورسله؟

وكل فعل لله له حكم بالغات: منها من يدرك بداهة، ومنها ما تتفاوت العقول في طلبه، ومنها ما تقصر عقول الخلائق عن إدراكه.

ومن بعض ما تدركه عقولنا في أسباب اختيار المدينة ما يلى: 1 - كل ما ذكرناه من (مقدمات الهجرة وبشائرها) كانت أسبابًا صنعها اللَّه لنبيه، لتكون المدينة دار هجرته، ومهجرًا لأصحابه.

2 -كان من تقدير العليم لهذه الدعوة أن جعل أعداءها ألسنة تهيئ البيئة لها. وتفصيل ذلك: أن اليهود إذا وقع بينهم وبين أهل (يثرب) خصام أو قتال كانوا يقولون: (إن نبينا مبعوثًا قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم) .

3 -لما قدم بعض اليثربيين إلى مكة في موسم الحج قبل بيعة العقبة الأولى، وسمعوا من الرسول ما يحدث من وحي اللَّه إليه، التفت بعضهم إلى بعض وقالوا: (تعلمون واللَّه إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه) .

وأجابوا الرسول إلى ما دعاهم إليه الإسلام، وقالوا: (إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللَّه بك، فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك) .. وتتابعت الأسباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت