اقترب للناس حسابهم
بقلم: عبد الحافظ فرغلي
قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ 1 مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 2 لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} 1 - 3 سورة الأنبياء.
في هذه الآيات مسائل:
الأولى: تقديم المفعول على الفاعل يشعر بأن إثارة المعرفة وتحريك العواطف شيء مقصود بالنسبة للمخبر عنه. فلو كان الغرض من هذه المقدمة للسورة الإعلام بقرب الحساب فحسب لاختلف تركيبها وجاءت على حسب العرف من ذكر الفعل ثم الفاعل ثم المفعول إن كان الفعل متعديًا. ولكن هذا التركيب يحس منه قصد تنبيه الناس لهذا الخبر.
الثانية: هذه الآيات تكون في مجموعها خبرا. هذا الخبر تصدر بتوكيد هو من أعلا مراتب التوكيد، وهو أن يخبر عن شيء في المستقبل بلفظ الماضي. فالفعل"اقترب"ماض، وفاعله لم يأت بعد، فكأنه من تأكد وقوعه وتيقن حدوثه حصل فعلا. كما قال اللَّه تعالى في مواضع أخرى عن أشياء في المستقبل أنها حصلت، وذلك حيث يقول: {أتى أَمْرُ اللَّهُ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} ، {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} وغير هذا كثير.
الثالثة: كلمة"الحساب": لو أن الناس أيقنوا وصدقوا به كما يصدقون بحساب بعضهم بعضا لتردد أكثرهم وهم يقارفون المعاصي، ولأسرعوا في فعل الخيرات. إن الجهل بالحساب الذي ذكره اللَّه يتولد منه الاستهانة بالخير فلا يفعل وبالشر فيصنع.