الإسلام في المعترك
بقلم: الدكتور محمد جميل غازي
عاش الإسلام عمره المبارك بين زحمة الفتن والمحن، والأهواء والأرزاء، والجنود والحشود، والكيد والدس، والضلال والبهتان، والمذاهب والنحل والفلسفات.
واستطاع بنور الله وهداه أن يشق الطريق غير آبه ولا متخاذل ولا مستسلم، وقدر بعون اللَّه ومدده أن يمزق الغياهب والظلمات التي كانت تلقى على طريقه إلقاء، لتعوق خطوه الحثيث، ولتوقف سعيه الدائب، ولتوهن عزمه الحديد، وتمكن بتأييد اللَّه وإعزازه أن يفضح الأكاذيب وتجارها مهما زينوها، ورصدوا لإشاعتها المال والحياة، والدعاية والتبشير، وجندوا لحمايتها الأتباع والأشياع والمرتزقة.
لقد واجه الإسلام من أول يوم دوى فيه أذانه، وانطلق فيه نداؤه، مؤامرات لا تهدأ ولا تستكين، تحاول إيقاف مده، والقضاء على مجده؛ لأن في انتشاره اندحارًا"للوثنية"اللعوب التي فتنت عشاقها بكل زيف، وخدعت عبادها بكل بريق، فأقامت في القلوب معابد تسع كل شيء، إلا الله الذي خلق كل شيء.
معابد، عبد فيها الذهب والجنس والهوى والطغيان والطبيعة والشمس والقمر، والإنسان والشيطان.
ثم ... نكست فيها أعلام التوحيد، وشارات الهدى.
لكنه على الرغم من عتو المؤامرات والمتآمرين وشراستهم، واستماتتهم في الدفاع عن معاقلهم الواهية، وحصونهم الهاوية، فإن الإسلام صمد كالجبل الأشم الذي تتحطم عند سفحه كل قرون الوعول.
وبقيت كلمته في خلد الدنيا.
تدعو الظماء إلى النبع.
وترشد الحيارى إلى الطريق.
وتهدي الضالين إلى الصراط المستقيم.
2 -وحينما تذكر كلمة"الإسلام"فإن مؤرخي الحضارة وراصديها، يحنون الرءوس إعجابًا ودهشة لهذا الدين الفاتح الذي انتقل بالبشرية- فجأة وبلا إبطاء- من ذهولها المستغرق، ووجودها الخامل، ووهمها الخانق، وظلامها الدامس، وخوفها القاتل، وجوعها المضني، وذلها المدمر، إلى ساحات الحضارة والرقي والتقدم، وباحات الثقافة والمعرفة والرغد والإنتاج.