علامات ضوئية على طريق الدعاة
بقلم الدكتور محمد جميل غازي
الآية الثالثة
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة آل عمران / الآية 104
معنى"من"
وقد اختلف العلماء المفسرون حول تحديد معنى"من"في قوله تعالى: (منكم) على قولين:
الأول: أن (من) في هذه الآية ليست للتبعيض، وإنما هي لبيان الجنس.
واستدل أصحاب هذا الرأي بدليلين:
أولهما: أن اللَّه تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل الأمة في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} .
وثانيهما: أنه يجب على كل مكلف أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه.
ثم قالوا: إذا ثبت هذا، فيكون معنى هذه الآية، كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
واعتبروا أن (من) في هذه الآية مثل (من) في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} .
ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجبا على الكل، إلا أنه متى قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا} ، وقوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، فالأمر في هذه الآيات ونظائرها عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.
القول الثاني: أن (من) هنا للتبعيض:
والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين:
أحدهما: أن فائدة كلمة (من) هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل: النساء، والمرضى، والعاجزين.