الهجرة والتدبير الإلهي
بقلم الرئيس العام / الشيخ محمد صفوت نور الدين
الحمد لله خلق فسوى وقدر فهدى، وأنزل الشرع وقدر له البقاء، وبعث نبيه بالهدي ودين الحق، وهدى له رجالًا استجابوا لدعوة الحق فقاموا معه خير قيام حتى نشر الله الإسلام في ربوع الأرض.
والله القادر هيأ لدينه الكون وأعده لاستقباله أتم إعداد، فكان من ذلك حرس طريق الوحي من كل مسترق للسمع: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) [الجن: 8، 9] ، فقدر الله سبحانه لنبيه الكريم ودينه القويم بلدًا لا تغلق أبوابها عن داخل أو خارج - وهي مكة - ليبدأ بدعوته فيها، فانتشر خبر دعوته إلى الناس في الآفاق، فسمعوا به، ولم يستطع من كره دعوته من عظماء مكة ورؤسائهم أن يغلقوا أبواب بلدهم ليمنعوا دعوته من الانتشار، وكان سبب تقدير رب العالمين أن جعلها بلدًا غير ذي زرع عند بيته المحرم، فأما غياب الزرع فجعلهم يألفون رحلة الشتاء والصيف، وأما البيت المحرم فجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، فبعد أن بلغت الدعوة بمكة مبلغها وتكونت من المؤمنين زمرة طيبة قدر رب العالمين لنبيه عند العقبة من الخزرج من أهل المدينة رجالًا سمعوا منه دعوة فاستجابوا لها، وقالوا: إنه النبي المبعوث الذي بشر به يهود، فلا يسبقنكم إلى اتباعه، وذلك ما ذكره رب العزة في قوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89] ، فكأن الخزرج بل والأوس عرفوا خبر النبي الخاتم من اليهود فكان تقدير رب العالمين بوجود اليهود في المدينة بجوار الأوس