من مفاخر التشريع الإسلامي
الإثبات
بقلم: أحمد لطفي السيد
من المحقق الثابت أن الآيات القرآنية الكريمة سجلت كل أصول نظرية الإثبات قبل أن يتوصل إليها فقهاء القانون باثني عشر قرنًا من الزمان. قال الحق تبارك وتعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) فهذا النص المبارك قد أفصح عن أن الرسالات والمناهج والأحكام لا تستقر بالإكراه بل بالبينات. وأشار إلى السلطة التشريعية الممثلة في"الكتاب"المنزل من عند الله. ورمز إلى السلطة القضائية ب"الميزان"والسلطة التنفيذية بكلمة"الْحَدِيدَ"وعبارة (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة أساسية في مجال الإثبات فقال"البينة على من ادعى"فذلك هو معنى تكليف المدعى بالإثبات.
وقد أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن هذه المدرسة النبوية فأصل القاعدة ونشرها على قضاة الدولة وأصبحت قانونًا نصه"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر".
وقد استنبط علماء الأصول ذلك قاعدة أخرى هي"ليس على النافي دليل".
وأسباب هذه القاعدة وحيثياتها جاءت في حديث رواه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) .
والبينة كما وردت في التشريع الإسلامي يراد بها الإثبات بكافة الطرق: بالكتابة أو بشهادة الشهود أو غير ذلك.
هذا المبدأ الإسلامي توصل إليه فقهاء القانون في عصرنا بعد أن أصبح للإثبات قواعد وفقهاء. فقد عرفوا الإثبات بأنه إقامة الدليل أمام القضاء. كما قسم هؤلاء قواعد الإثبات إلى قواعد موضوعية وأخرى إجرائية.