لطائف من سورة آل عمران
بقلم/مصطفى البصراتى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد
فلا يزال الحديث متصلاً حول قصة مريم ومعجزة ولادة عيسى عليه السلام، وسنتكلم في هذا العدد حول الآية السابعة والأربعين من سورة آل عمران
قال تعالى «قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»
«قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ» هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا إن الله يبشرك وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى فقالت «رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَد» ، وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت «رب» ، ومعلوم أن كلمة رب هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف وأصلها «ربِّي أنَّى يكون لي ولد»
وقولها «أنى يكون لي ولدٌ» هذا استفهام يعني من أين يكون لي الولد ولم يمسسني بشر، وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم عليه السلام «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى» البقرة ... ، ولم يكن ذلك عن شك، وقوله «وَلَمْ يَمْسَسْنِي» جملة حالية، يعني والحال أنه لم يمسسني بشر، أي لم يجامعني، لأن المس يطلق على الجماع، ويكنى به عنه كما قال تعالى «لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن» البقرة ... أي تجامعوهن، «ولم يمسسني بشر» فمن أين يكون الولد؟ «قال كذلكِ» ، قال الله عز وجل لأنها نادت الله «رب أنى يكون لي ولد» « ... قال كذلكِ» ، يعني الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره «الأمر» ، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف فتقول كذلك، ثم تبتدئ فتقول «الله يخلق ما يشاء» ، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، مثل قوله «كذلك وزوجناهم بحور عين» الدخان ... ، وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت، يعني الأمر مثلما وقع تمامًا
وقوله سبحانه وتعالى «الله يخلقُ ما يشاء»
«الله» لفظ الجلالة مبتدأ، وجملة يخلق خبر، أي أن الله سبحانه يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه السلام جاء على خلاف العادة، لكن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب أي خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون، فالله على كل شيء قدير