هدى الله .. والإنسان
بقلم: علي عيد
لقد شغل المناطقة أنفسهم قديمًا، بوضع تعريفات للأشياء، أسموها (حدودًا) .. فكل شيء عرفوه بحده، والحد هو التعريف الذي يفصل بين المحدود وغيره من الأشياء.
ومن هذه الحدود التي وضعت قديمًا، ذلك الحد الذي وضعوه دلالة على الإنسان، بأنه (حيوان ناطق) .. ! ولا أدري على وجه الدقة، مبعث ذلك النفور والاشمئزاز الذي لازمني كلما قرأت ذلك التعريف، أو سمعته، ولا أجد عذرًا لأولئك المناطقة، يحول دون لومهم وتوبيخهم، حين خلقوا أواصر وعلائق بين الإنسان والحيوان تلازمه في كل وقت وحين .. !.
والغريب أن ذلك الحد لا يخدم أغراض المناطقة ولا يحقق مرادهم، لأنه لا يميز الإنسان ولا يفرده، وإنما ألحقه بدائرة الحيوان وكفى ..
فركن التعريف الأول، كلمة (حيوان) لا تخص الإنسان ولا تميزه، لأنها تطلق على كل ما فيه حياة، ناطقًا كان أو غير ناطق، والجمع (حيوانات) فهي ككلمة (الحي) سواء، إذ أن الحي هو نقيض الميت، وكل ما فيه حياة هو حي، .. فالنبات حيوان لما به من حياة، والأنعام حيوان لأن بها حياة، والحشرات حيوان لأن بها حياة، وإذا كانوا يحدون الحيوان بأنه كل نام ومغتذ فلا شك يشترك مع الإنسان في ذلك التعريف أجناس وأنواع كثيرة، ما علمه الإنسان منها ومالم يعلم .. !
إننا لو بحثنا في القرآن من أوله إلى آخره، ما وجدناه ذكر كلمة الحيوان إلا مرة واحدة، بمعرض الحديث عن الآخرة حين قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون) العنكبوت 64 فهي هنا مصدر الحياة وحقيقتها لأنها الباقية الخالدة، ولم يطلقها القرآن على فرد بعينه، أو جنس دون غيره ..