نظرية الإباحة في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها المعاصرة
الحلقة الثانية
بقلم الشيخ / محمد عبد الحكيم القاضي
باحث إسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وبعد، فنكمل حديثنا عن:
قضايا المرور:
إن هذه الضوابط الماضية في حقوق الشوارع يسلمنا إلى ما عرف في التقاضي الحديث باسم (قضايا المرور) ، فإذا كان (اتخاذ مرابط الدواب في الطرق) (1) ، ونحوه يمكن أن يشبه ما يسمى الآن (أشغال الطريق) وهو لا يعدو - قانونًا - حجم (المخالفة) ، فقد تطرق النظام المروري في الشريعة إلى قضايا جنائية حينما يتسبب استعمال حق الطريق بالفعل في إتلاف حقوق الغير أو الاعتداء عليه في نفسه، مثل ما يسمى في التقاضي المعاصر بحوادث السيارات.
وقد طرح الفقهاء القدامى علاقة مثل هذه الحوادث بمفهوم الإباحة، في حديثهم عن اصطدام الفارس بصاحبه، فهذا قاضي زاد - من الأحناف - يدافع عن إلزام عاقلة الفارسين المتصادمين بالدية إذا قُتِلا بقوله: (ولنا أن الموت يضاف إلى فعل صاحبه؛ لأنه فعله في نفسه مباح، وهو المشي في الطريق) (2) ، بينما يشير الإمام أبو إسحاق الشيرازي في (المهذب) إلى تتبع الأمارات والدلائل الدالة على إساءة أحد الفارسين في استعمال حق الطريق حينما ينقل عن المزني - تلميذ الشافعي: (إن استلقى أحدهما فانكب الآخر على وجهه وجب على المنكب دية المستقلي وهدر دمه؛ لأن الظاهر أن المنكب هو القاتل) (3) .
ومهما كان من بدائية هذا التعليل فهو نوع من السعي وراء تتبع الأمارات في قضية مرورية.