الصهيونية والمؤامرة على فلسطين
بقلم: د. الوصيف علي حزة
كانت رحلة الإسراء والمعراج التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس إرهاصًا بفتح هذه البقعة المباركة، ولذلك كان تعلق المسلمين بها كبيرًا وعظيمًا، وما لبث عمر الفاروق رضي الله عنه بعد أن استتبت أحوال المسلمين حتى جيش الجيوش لفتحها باسم الواحد القهار، فأرسل أبا عبيدة قائدًا عامًّا لجيوش المسلمين في الشام، ففتح دمشق ومعظم بلاد الشام، ثم فتح الأردن وأرسل إلى أهل إيلياء: «بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وساكنيها، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وبالرسول، أما بعد، فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فإن شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنتم لنا إخوانًا، وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبًّا للموت منكم لشربكم الخمر وأكلكم لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله تعالى حتى أقتل مقاتليكم وأسبي ذراريكم» .
وكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأقره عمر وأمره بالاستعانة بالله، ولما أبى أهل إيلياء الصلح حاصرهم أبو عبيدة حتى قبلوا الصلح واشترطوا مجيء الخليفة عمر بنفسه، فاستشار أصحابه، فأشاروا عليه بالمسير لما لبيت المقدس من أهمية عظيمة، فركب عمر إليهم، كما قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» .
فحين دخل عمر بيت المقدس صلى تحية المسجد وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة، ثم جاء إلى الصخرة المشرفة وأزال ما عليها من تراب، وكان في استقباله صفرونيوس بطريق القدس ومعه أعوانه، واشترطوا على عمر ألا يسمح لليهود بسكنى القدس، فكتب لهم عمر رضي الله عنه العهدة العمرية أو الوثيقة العمرية وخلاصتها؛ «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم، وأنه لا تسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا ينتقص منها ولا من خيرها شيء ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن. وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن سار مع الروم سار، ومن شاء رجع إلى أهله رجع، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية» . [البداية والنهاية (7/ 55 وما بعدها) بتصرف] .