لم تزل وقائع الاجتماع البشري تقدم الدليل بعد الدليل أن الإنسان حين يزيغ عن السلوك القويم ويمضي في الانحراف والغواية، فإن المجتمع يلفظه ويتداعى لمعاقبته.
ولا ينقذه من ذلك إلا المثابة إلى بيت الله والرجوع إلى طريق الله وهداه وفي ذلك بعد مظاهر الاعجاز الذي تضمنه قول الله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا) ... وحين ننظر في وقائع الحياة اليومية لا يصعب علينا أن نتبين عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) فإن كانت الأسواق مزالق للناس يقترفون فيها الغش والجشع والاحتكار والكذب , فإن المساجد هي التي تطهرهم من أدران ما يقترفون، وتعيد لهم صفاءهم >؟ < التي تعدت عليها الأغراض ولوثتها الأهواء والشهوات ... وانطلاقًا من هذه السنن الربانية الاجتماعية ارتبط المسجد بنشأة المجتمع ارتباطًا وثيقًا .. فقد كان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم عند دخوله المدينة أن بنى مسجده صلى الله عليه وسلم وعمل فيه بنفسه واستمر الوضع كذلك زمن الراشدين من بعده ... فكان عمر رضي الله عنه يكتب إلى قادة الفتح الإسلامي أن يجعلوا إقامة المساجد على رأس الأعمال التي يقومون بها .. فكان المسجد هو المدرسة النموذجية التي يتلقى فيها المسلم أنواع العلوم وصنوف المعارف .. وكان هو الجامعة التي يتخرج منها أصحاب الكفاءات العلمية ... فكان ظهور الجهابذة الأعلام والفقهاء والمجتدون من أئمة الهدى ومصابيح الدجي. فهذا بان عباس، وابن مسعود. ثم مالك وابن جبير والمسيب ثم البخاري ومسلم وأبي حنيفة ... ومن بعدهم جمع غفير فكان المسجد منارة للعلم فلا ينقطع منها العلم ولا العلماء فكان الناس ينهلون من معين علومهم ومن معين السنة النبوية ويطهرون أنفسهم بما يغترفونه من بحر الإيمان وما يشفى صدورهم من ظلمات الجهل والشرك ..