فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 18318

الدين والعمل

بقلم فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ

محمد علي عبد الرحيم

بالرئاسة العام لتعليم البنات بالرياض

عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن اللَّه يحب العبد المحترف ) ). رواه البيهقي والطبراني.

هذا شأن المؤمن المحترف عند اللَّه تعالى؛ يحبه جزاء ما قدم من عمل نافع، فيبني لدينه صرحًا من المجد، وينفع نفسه، ويفيد أمته.

ومن المعلوم أن من أحبه اللَّه تعالى: هداه واجتباه، وحفظه ووقاه، وجعله في ولايته، وأدخله في رحمته، فيسعد في الدنيا والآخرة.

وإذا أحب اللَّه عبدًا، فليس من المعقول أن يعذب المحب محبوبه. ولكن ما بال أقوام يحقرون الصناعة كما ينظرون إلى الصناع وأرباب الحرف بغير تقدير. مع أن الإسلام دعا إلى الاحتراف، والاشتغال بالصناعات، لتكتفي الأمة اكتفاء ذاتيًا بصناعات أبنائها. بل جعل الإسلام أطيب مال، وأحل كسب: ما كان من عمل يد الإنسان. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ) ).

ومما لا شك فيه أن الأمة التي فطنت إلى جلال الغاية من وراء الصناعة، وأدركت سمو الهدف الذي ترمى إليه، فبذلت كل جهد في هذا السبيل، واستهسهلت كل صعب، وأنشأت معاهد للصناعات قد نهضت من كبوتها، وهبت من رقادها، وتبوأت مقعدها بين الأمم.

أما الأمة التي لا تزال تأكل من حرث غيرها، وتلبس من نتاج أخرى، وتستورد معظم احتياجاتها، فلم تشق طريقها إلى المجد، وستظل عالة على غيرها من الأمم.

وإن الذي نلمسه الآن في الأمم الإسلامية، من قعود عن المجد، وتخلف عن ركب التقدم، لم يكن سببه نقصًا في شريعتهم، وإنما أساسه التفريط والإهمال.

فالإسلام لا يرضى بالدنية لأهله، ويأبى أن يكونوا أذلة، أو أن ينصفوا بالعجز والمهانة {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} .

كما نظم الإسلام حياتهم، فجعل العمل للدين مقرونًا بالعمل للدنيا في غير ضراء مضرة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} .

ومن أجل ذلك كان الدين عملًا ونظامًا، وعلمًا وصناعة، وحياة عريضة تتميز بالنهوض والاعتلاء، والعز والإباء، ليوفر لأهله الرئاسة والتمكين في الأرض، مع رغد العيش وهناءة الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت