نفحات قرآن
بقلم بخاري أحمد عبده
بسم الله الرحمن الرحيم
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَد) .
الآيات - بالنظرة الأولى - تنذر بيت أبي لهب بسوء المآل. وتبشر بهلاك محقق يحيق فلا ينفع فيه مال، ولا تجدي أعمال، ولا تغني عشيرة ولا نسب. وتصور زوجي السوء يغلان في قرن (1) ويدعان (2) إلى جهنم دعا حيث يذل كل منهما ويخزى. وتخرجهما مخرج ابتذال وهوان.
وهي كذلك توحي بأن زوجي السوء قد سبق عليهما القول فلا مجال لأوبة، ولا مطمح في إيمان، ولا رجاء في خلة، أو شفاعة. وكأن المولى بهذا القرار، وهذا الإعلان المبكر يوحي إلى رسول بمثل ما أوحى إلى نوح: (لَنْ يُؤْمِنَ .. فَلَا تَبْتَئِس) ، (لَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) هود 37. (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هود 46، (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم) هود 48.
ذلك محصلة النظرة الأولى. ولكن القرآن معجز. ومن إعجازه أنه يعطي عطاء غير مجذوذ، وأن مقتطفاته خالدة لا يدركها بلى، ثرة (3) لا يلحقها نضوب، ريانة لا يعتريها ذبول، مثمرة أبدًا. ومواقفه- برغم قدمها، وتعلقها بأشخاص معينين - تظل ريانة تتقلب مع دهرك، وتعكس لك من صور معاصريك وأحداث عصرك ما ترى خلالها وجوهًا تعرفها، وأحداثًا تعيشها، ومشاكي تفيض بالنور، ومواطن تغوص في الظلمة، وبقاعًا ترفل في الخير، ومراجل تغلي بالعلقم، وتتوقد تحتها النار، ودعاة من ورثة الأنبياء يبلون المر، ويتجرعون الصاب، ويلقون ما يلقون وهم ينشدون:
إن الذي خلق الحقيقة علقمًا ... لم يخل من أهل الحقيقة جيلا