فهرس الكتاب

الصفحة 9278 من 18318

التقوى

بقلم الشيخ / أبي الوفاء محمد درويش (رحمه الله)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أمَّا بعد:

فمن عجب أني أفكر في التقوى حين تفكر الدهماء في الحروب وويلاتها وكوارثها وفواجعها، وما تدمر من مدائن، وما تجتاح من أقاليم، وما تفني من أموال، وما تزهق من أرواح، وما تهريق من دماء، وما تكبد من ضحايا، وما تقلق من ضمائر، وما ترهق من أعصاب، وما تفزع من قلوب، وما تروع من نفوس.

ومن عجب أني أفكر في التقوى حين يفكر الناس في دول دالت، وعروش ثلت، وتيجان طارت عن رءوس أصحابها، وصوالجه طاح بها صولجان القدر، ودنيا غلت فيها مراجل المطامع فاضطربت كما يضطرب الماء في مهوى سحيق.

ومن عجب أني أفكر في التقوى حين وقفت كل أمة تفكر في مصيرها، وترتقب ما أُخفي لها في ضمير الغيب، وما سطر في صحائف القدر، وهي لا تدري: أتكتب لها الحياة ويقسم لها البقاء، أم تطوى صحيفتها وتمحى سطورها من سجل الوجود؟

ومن عجب أني أفكر في التقوى حين وقف الناس جميعًا يفكرون كيف يتقون كوارث الحرب وكيف ينجون من شرها وبلائها: يعدون الكمائم للغازات، والمخابئ للغارات، والمدافع للطائرات، ويستعدون لاتقاء الموت النازل من السماء، أو السابح في الماء أو الطائر في الهواء، أو الماخر أجواز الدأماء، أو المختال في أكناف البيداء.

ومن عجب أني أفكر في التقوى، والشعوب جميعًا تفكر في البندقيات والمدافع والرشاشات والدبابات والمطاود والطائرات والحصون والمعاقل والمصانع والطرادات والناسفات والنقالات والمدمرات والغواصات، وما لا يعلم إلا الله من وسائل التدمير والتخريب، وعدد العدوان والطغيان.

وما يدريك لعل الحرب هي التي أثارت في نفسي حديث التقوى، وأغرت قلمي بالكتابة فيه.

وما يدريك لعل ما أحسسته ورأيته من تقوى الحرب في كل مكان هو الذي أهاب بي ودفعني إلى أن أكتب في تقوى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت