حديث الشهر
تحقيق التوحيد
بقلم: د. جمال المراكبي
التوحيد مصدر وحد يوحد توحيدًا أى جعل الشيء واحدًا، وهو لا يتحقق إلا بنفى وإثبات، نفى الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له وحده، وذلك لأن النفى المحض تعطيل محض، والإثبات المحض لا يمنع مشاركة الغير في الحكم.
فلو قلت: محمد مجتهد، فقد أثبت له الاجتهاد، ولكنك لم تفرده وتوحده به؛ لأنه من الجائز أن يشاركه غيره في هذا الاجتهاد.
ولو قلت: لا مجتهد، فقد نفيت نفيًا محضًا ولم تثبت الاجتهاد لأحد. ولكن لو قلت: لا مجتهد إلا محمد، فقد أفردت محمدًا بالاجتهاد، ونفيت الاجتهاد عمن سواه، وهذا هو تحقيق التوحيد، فلا يكون توحيدًا إلا بإثبات التفرد ولا يتحقق ذلك إلا إذا تضمن نفيًا وإثباتًا.
والتوحيد لا يكون إلا لله عز وجل لأنه الواحد الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا شريك له ولا وزير ولا معين، ولا شفيع يشفع عنده إلا بإذنه سبحانه: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} [المؤمنون: 91، 92] .
أما غيره سبحانه فلا يمكن توحيده في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لأن نظراءه وأمثاله كثيرون، وقد جعل الله خلقه أزواجًا، وجعل بعضهم في حاجة بعض، فـ {سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36] . وسبحان من جعل التفرد صفة خاصة له: {هل تعلم له سميا} [مريم: 65] .
أقسام التوحيد
والتوحيد قسمان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمى الخبرى.
وتوحيد الطلب والقصد، وهو التوحيد الإرادى الطلبى، والقسمان يتضمنان الجواب عن سؤال واحد هو: من تعبد؟
والجواب: أعبدُ الله وحده لا شريك له رب العالمين ورب كل شيء ومليكه. وهو السؤال الذى يُسأَله العبد في قبره، حيث يقول له الملكان: من ربك؟
ولا يُحسن الجواب عن هذا السؤال إلا من عرف الله عز وجل بالتوحيد، ولم يشرك معه غيره في شيء من العبادة.
ومعرفة الله عز وجل تكون بشيئين بالنظر في آياته الكونية، وآياته الشرعية المقروءة في كتابه وفيما أوحاه إلى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
أما الآيات الكونية فهى مخلوقات الله عز وجل الدالة على عظمة خالقها وسعة علمه وتمام قدرته كالسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وكل هذه المخلوقات تسجد لخالقها وتسبح بحمده، كما قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} [الحج: 18] .