باب منبر الحرمين
البركة وأثرها في الحياة
لفضيلة الشيخ سعود الشريم إمام المسجد الحرام
الحمد لله الكبير المتعال ذي العزة والجلال نحمده في النعماء كما نحمده في البلاء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين صاحب المقام المحمود والحوض المورود، عليه من الله أفضل صلاةٍ وأزكى تسليم صلاةً وسلامًا دائمين ما تعاقب الجديدان وآله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد فإن الوصية المبذولة لي ولكم عباد الله هي تقوى الله سبحانه إذ هي الأنس عند الوحشة، والقوة عند الضعف، والبركة عند المحق والعلم عند الجهل وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة
حضارة وتقدم بلا سعادة ولا راحة
أيها الناس إننا نعيش في زمنٍ بلغت فيه الحضارة المادية أوجها، بل بلغت مبلغًا لم تبلغه من قبل، ولم يخطر على بال البشر ممن قد غُمر سعةً في الكسب، ورغدًا في العيش ورفاهيةً في الوسائل، وتقدمًا ثائرًا في الضروريات والحاجيات والتحسينات، وتنوعًا في الأسباب الموصلة إليها منقطع النظير
حياة عجيبة معاصرة تدهش العقول وتبهر العيون ما بين غمضة عينٍ وانتباهتها ترى جديدًا في عالم التطور المعيشي والمادي، بيد أن هذه الحضارة وهذا البركان الهائج في المسارات المادية لم تجعل المرء الذي يعايشها أسعد من المرء في أزمانٍ سابقة، ولم تجعله أهنأ من غيره، ولا أكثر أمنًا، ولا أشرح صدرًا مما مضى.
وما ذلكم عباد الله إلا لغياب أمرٍ يُعدُّ غاية في الأهمية ليس للحياة معنى بدونه لا في كسبٍ ولا في علمٍ، ولا في طعامٍ ولا في شراب، بل ولا في الحياة برُمّتها إذن ما هو هذا الغائب الذي يستحق هذه الإشادة، ويستدعي مادة الإطراء؟
إنه يا عباد الله حلول البركة في ذلكم كله البركة عنصرٌ أساسٌ في تمام وجود الإنسان، لا قوام لحياته بدونها؛ إذ ما قيمة كسبٍ لا بركة فيه؟ وما قيمة وقتٍ مُحِقَتْ بركته؟ وما فائدة علمٍ وجوده وعدمه على حد سواء؟ وما نتيجة طعامٍ وشرابٍ لا يسمن ولا يغني من جوع لا يطفئ ظمأً ولا يروي غليلاً؟
البركة وأثرها