الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللَّه (وبعد)
انقضى شهر رمضان الكريم، انقضت أيامه وانقضت لياليه، وفاز فيه من فاز، وخسرفيه من خسر، فاز فيه من عرف قدره فصامه إيمانًا واحتسابًا، وقام لياليه إيمانًا واحتسابًا، فاز فيه من انتهزه فرصة طيبة لزيادة التقرب إلى اللَّه عز وجل بالطاعات، فاز فيه من غض الطرف عن المحارم، من غض سمعه وبصره عن عورات الناس، من غض لسانه عن الغيبة والنميمة، من غض جوارحه عن كل ما يغضب الحق جل وعلا، من غض قلبه عن الميل مع الهوى والشهوات.
انقضى شهر رمضان الكريم، وقد فاز فيه من وفي بعهد اللَّه ولم ينقض ما بينه وبين اللَّه من مواثيق، فاز فيه من لم يقطع الأرحام، بل وصلها ووصل كل ما أمر اللَّه به أن يوصل، فاز فيه من أطعم البائس الفقير، فاز فيه من أنفق مما رزقه اللَّه ابتغاء مرضاته، فاز فيه من حاول التطهر من ذنوبه وآثامه، فاز فيه من اتقى اللَّه في كل أقواله وأفعاله، في السر والعلانية. نسأل اللَّه أن نكون منهم.
انقضى الشهر الكريم، وقد خسر فيه من ظنه أنه شهر للكسل والخمول، خسر فيه من ظنه شهرًا للسهرات الماجنة أمام ما تذيعه الإذاعات المسموعة والمرئية من غثاء، خسر فيه من ظنه شهرًا لارتياد الملاهي بالليل للترفيه من تعب الصيام بالنهار، خسر فيه من أطلق العنان لشهواته وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، خسر فيه من أبطل صيامه بتركه للصلاة.
انقضى الشهر الكريم، الذي نرجو أن يكون ما قدمنا فيه لأنفسنا من عمل خالصًا لله عز وجل، خاليًا من النفاق والرياء، داعين المولى جل وعلا أن يجعله عملًا متقبلا، وأن يثقل به موازيننا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم.
ونسأل اللَّه تعالى أن يعيد هذا الشهر على الأمة الإسلامية في جميع أنحاء المعمورة وقد حققت كل ما تصبو إليه من رفعة وعزة، ونصر وسؤدد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو نعم المولى ونعم نصير.