مع القرآن
علوم القرآن أصولًا ومنهجا
العلم بأسباب النزول
بقلم أ. د / محمد بكر إسماعيل - أستاذ التفسير وعلوم القرآن جامعة الأزهر
العلم بأسباب النزول من الأمور المهمة التي لا غنى للمفسر والمحدث والفقيه عنها، فهو يعين على فهم المراد من كلام الله تعالى على وجه تطمئن النفس إليه.
وقد تقدم بيان شيء من ذلك في مقدمة هذا المبحث، وعند ذكر أقسام أسباب النزول، فقد قلنا هناك: إن منها ما يبين الإبهام ويرفع الإجمال، ويزيل الإشكال، وضربنا لذلك أمثلة، نضيف إليها هنا أمثلة أخرى لكي تتحق - أيها القارئ الكريم - من أهمية هذا العلم في تقرير الأحكام، وبيان المعاني والمقاصد المرادة من كلام الله عز وجل، ثم نمضى بعد ذلك في بيان ما تبقى من الفوائد التي يحتاج إليها الباحثون في العلوم الشرعية بوجه عام، وفى تفسير القرآن الكريم بوجه خاص.
(أ) وقع لبعض التابعين إشكال في عموم قوله تعالى:"لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا"فلما عرفوا سبب النزول زال الإشكال واطمأنوا أنهم ليسوا داخلين في عموم الآية وأنها خاصة باليهود.
فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما يفعل يعذب، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا:"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ"الآية، قال ابن عباس: سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه.