فهرس الكتاب

الصفحة 10763 من 18318

** من روائع الماضي

** من خصائص الإسلام إقرار مبدأ التسامي والدعوة إليه

** كتبه: أبو الوفا محمد درويش

التطور سنة عاملة في الإنسان، لا تفتر ولا تقصر، عملت فيه وهو جنين في ظلمات الرحم، كان نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظامًا كسيت لحمًا، فلما تم خلقه برز إلى نور الوجود ليعمل فيه التطور عملًا آخر، فكان طفلًا رضيعًا، ثم فطيمًا، ثم صبيًّا، ثم مراهقًا، ثم شابًّا، ثم بلغ أشده واستوى، واستكمل القوة والنمو، ووصل إلى ذروة الحياة. قال تعالى في توضيح تلك السنة التي لن تتبدل ولن تتحول: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 12 - 14] . وقال تعالى موجزًا هذه الأحوال أبلغ إيجاز: {وقد خلقكم أطوارًا} [نوح: 14] .

وإذا استكمل الإنسان قوته انحدر إلى الضعف كرة أخرى لتتم دورته الكونية ويعود إلى الأرض التي خلق منها، قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54] ، وقال تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون} [يس: 68] .

وغرائز الإنسان التي فطر عليها تدعوه إلى هذا التطور ما دام يتسامى به ويرتقي، فإذا جنح به التطور إلى الانحدار نفرت منه طبيعته، وحاولت أن تتخلص منه، وأن تلتمس السبيل إلى التسامي، فهو منذ حداثته يفكر في أن يكون رجلًا، وأن يكون له زوج وأولاد، ويفكر في جمع المال وادخاره وتنميته إن جارى غرائزه الفطرية ولم يخرج عليها، وإن كانت امرأة فكرت في أن يكون لها بعل، وفي أن تكون أمًّا تحنو على أولادها، وترعاهم وتبسط عليهم جناح رحمتها، ثم عملت على ما يجعلها أهلًا لهذه الحياة المستقبلة، التي يسير بها التطور إليها، وتأبى غرائزها إلا أن تعدها لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت