ادعوهم لآبائهم
إعداد/ شوقي عبد الصادق
الحمد لله خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله، شرع فأحكم وقدر فهدى، والصلاة والسلام على النبي المجتبى، وبعد:
لقد نقلت الفضائيات كلامًا ممجوجًا، وصراخًا ممقوتًا فحواه المطالبة بأن ينسب الأبناء إلى أمهاتهم وينادون بذلك على قوارع طرقهم، بأن يكتب ذلك في شهادات ميلادهم، وأن يكتب اسم الأم قبل اسم الأب، وأنها الأحق بصحبة الابن، ومثل هذا العبث ما هو إلا خطوة على الطريق المظلم الذي يريد أعداء الدين للمسلمين أن يسلكوه حتى يدمروا لهم ما بقي من آثار الأسرة وأطلال القوامة، وحتى يقننوا شيوع الفاحشة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وبادئ ذي بدء فإن القرآن قد حسم هذه المسألة وكذلك السنة المطهرة، ولهما - القرآن والسنة - القول الفصل في ذلك.
القرآن يأمر بالانتساب للآباء:
قال تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5] . وقال ابن كثير: وهذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط والبر، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} ، وقال أيضًا عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال أبو بَكْرَة رضي الله عنه: قال الله عز وجل: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} ، فأنا ممن لا يُعرف أبوه وأنا من إخوانكم في الدين، قال أبي - أي عبد الرحمن-: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه، وقال في قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأً بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، وقال: وفي القرآن المنسوخ: «فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» .
وأخرج الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل معه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. [ابن كثير 2/ 631 - 633 بتصرف]