نصيحة
لفضيلة الشيخ / محمد خليل هراس (رحمه الله)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أمّا بعد:
أتوجه بنصيحتي هذه إلى أبنائنا من شباب الأزهر، فقد أوشك العام الدراسي على الانتهاء، وآن لهم أن يئوبوا إلى قراهم وأهليهم، فمن حقهم علينا أن نزودهم ببعض النصائح، وأن نوجههم الوجهة التي نعتقد فيها الخير لهم ولمن حولهم، وأنه ليس أولى من الشباب بالنصيحة، لا سيما إذا كان هذا الشباب ممن تعده دراسته والعلوم التي يتلقاها ليكون مرشدًا للناس إلى الله الحق وصراطه المستقيم.
وإن مما يشجعني على توجيه تلك النصيحة إلى هؤلاء الأبناء ما لمسته فيهم طوال العام الدراسي من الرغبة في الفهم الصحيح والعلم النافع والنفرة الشديدة من الجمود على التقليد، والتبرم بتلك الكتب العقيمة التي فرضت عليهم فرضًا دون أن يجدوا لها مساغًا في عقولهم، والتي لا يعودون من دراستها إلا بصدع الرءوس وسأم النفوس، وكم عانيت من ثورتهم عليَّ أثناء الدرس بسبب هذه الكتب، حتى لقد يقول لي أحدهم: إننا ما جئنا إلى هذا المكان لنضيع أعمارنا في هذا الهراء، وكم كنت أعذرهم وأرثى لهم، فإن وقتي ووقتهم أثمن حقًّا من أن ننفقه في هذا السخف، وكم كان ضميري يجزع أشد الجزع حين أراني بعد مضي عام كامل لم أفرغ من تقرير تلك الجملة التي صارت مضرب المثل (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق خلافًا للسوفسطائية) .