قصة بناء البيت وبعض الحكم التي بني لأجلها
بقلم الشيخ الدكتور / سعود الشريم
إمام الحرم المكي
أيها الحاج الكريم: لقد جاء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بهاجر وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت العتيق، عند دوحة فوق الزمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قضى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا يضيعنا.
ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37] ، وجعلت أم إسماعيل ترضع ولدها إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه.
ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه بيدها، فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: (لا تخافوا الضيعة، فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه) . رواه البخاري.