ما وراء بيعة العقبة الأولى
لفضيلة الشيخ محمد جمعة العدوي
رئيس أنصار السّنّة المحمدية
فرع السنبلاوين
ثلاث عشرة سنة. قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو الناس إلى دين الله .. كان الإسلام خلال هذه الفترة ينمو نموًا بطيئًا إذ كان معتنقوه يتعرضون لأقسى أنواع العذاب. وكان لابد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبحث عن أرض جديدة. تستقبل هذا النبت الطيب فترعاه حتى يؤتي أكله .. كانت يثرب هي البلد الطيب الذي أرادت العناية الإلهية أن تتشرف بهذا الاختيار.
كان أول من حمل هذه البذرة إلى يثرب. نفر من الخزرج، التقى بهم النبي في موسم الحج فقال لهم: (من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: نعم فجلسوا فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام) ، فلما استدار العام استطاع هذا النفر أن يضم إلى قافلة المسلمين عدد لا يستهان به من أبناء يثرب الذين تحمس بعضهم للقاء النبي فالتقى بهم عند العقبة .. ولندع الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه أحد الذين حضروا اللقاء يحدثنا عنه فيقول: (بايعنا رسول الله ليلة العقبة الأولى ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. قال: فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر) .
إن نصوص هذه البيعة تعطينا قيمة فريدة لها مغزاها في تكوين الأمم، فلقد كان في إمكان النبي أن يستفيد من هذه القوة النامية بالمدينة بأن يأمرها أن تفعل ما من شأنه أن يهدد قريشًا. فيجعل منهم قوة ضاغطة يستطيع بها أن يخفف العذاب الذي يقع بالمسلمين في مكة.