فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 18318

وكان من الممكن للرسول أن يطلب من هذه الفئة بيثرب العون الاقتصادي يسد به رمق المستضعفين في مكة .. وكان في استطاعته أيضًا أن يطلب الولاء لشخصه منهم، والخضوع لسلطانه، وهي كلها مطالب ملحة تتفق والظروف التي يحياها النبي صلى الله عليه وسلم وهو إذا طلبها فلا يمكن أن يقلل من شأنه في نظر أتباعه .. لكن ما قيمة الولاء لشخص أو البيعة على حمايته بدون سند من أخلاق تحميه. ذلك أن النبي يعرف أن أي أمة يكتب الله لها البقاء، وتريد أن تحيا حياة قوية عملاقة، لابد أن يكون أساس هذه القوة خلقًا متينًا وضميرًا نقيًّا. إن الولاء للزعيم أو للنبي سيصبح في الدرجة الثانية ولعله يكون معدومًا إذا واجه مغريات الحياة من سرقة ورشوة وشهوات. فإذا لم تردع النفس البشرية بقانون خلقي يحميها فإن منفعتها وغرائزها ستكون فوق الولاء لذلك الشخص.

والرسول كذلك في هذه البيعة لم يهتم بالعيش في مجتمع أفضل ولا حاول أن يثير حميتهم بسحر بيانه فإذا بحماسهم يرتفع ويتصاعد تحت تأثير الكلمات ثم إذا به في فورة هذا الحماس يطلب ما يشاء لنفسه. فذلك لجوء رخيص إلى صنع الأمجاد.

من أجل هذا وأكثر منه ركز الرسول الكريم في أول لقاء مع أهل يثرب على الجانب الأخلاقي. وكأنه يقول: إن الركن الأول لبناء أي مجتمع عظيم أن يقاوم هذا المجتمع في نفسه غرائزه غير المشروعة (لا نسرق لا نزني لا نقتل أولادنا، لا نأتي ببهتان بين أيدينا وأرجلنا) . كلها دعائم تقول للراغبين في هذا الدين: بهذا أقيم الدولة وأحيي الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت