ما هي علوم الدين
التي يقصدها الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)
بقلم الدكتور إبراهيم هلال
كلية البنات - جامعة عين شمس
وعلوم الدين عند الغزالي (أبو حامد) لا يوجهها إلى تهذيب الإنسان وتربيته، أو إلى إصلاح الدنيا وتنظيمها - كما هي شريعة الإسلام - وإنما يوجهها إلى كشف ذات اللَّه سبحانه، ورؤيته جهرة، وما كان له أن يفعل غير ذلك، لأنها ليست إلا علوم الشك والوثنية والخروج على الدين، فالغاية عنده منها - حين الحصول عليها بطريقة الصوفي - هي (المعرفة الحقيقية بذات اللَّه سبحانه) مخالفًا في ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( تفكروا في مخلوقات اللَّه، ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا ) ). والذي دعاه إلى ذلك هو شكه في اللَّه كما تحدث بذلك عن نفسه في فترة تصوفه، فصار لا يؤمن باللَّه إلا على طريق الفلاسفة الذين لا يؤمنون باللَّه إلا بعد أن تخيل لهم فلسفتهم، أنهم رأوا اللَّه في الدنيا جهرة ومعاينة، يقول أحد هؤلاء، وهو (سيلس) السكندري أحد الأفلاطونيين المحدثين: (إذا أخمدت حياة الحواس، ونظرت إلى أعلى بعين العقل، وأدرت ظهرت للبدن، فإنك توقظ عين الروح، وإذ ذاك فقط ستري الإله) . ويرسم لنا الغزالي طريقة هذا الكشف الذي يسير فيه المتصوف والتدرج فيه، فيقول: (ومن أول الطريقة تبتدأ المكاشفات والمشاهدات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد) .
ثم يرقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها، إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح، لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة: ينتهي الأمر إلى قرب يكاد أن تتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ، بل الذي لابسته هذه الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:
وكان ما كان، مما لست أذكره ... فظن خيرًا، ولا تسأل عن الخبر