مع القرآن
علوم القرآن أصولًا ومنهجًا
بقلم أ. د محمد بكر إسماعيل
أستاذ التفسير وعلوم القرآن جامعة الأزهر
افتتح الله عز وجل تسعًا وعشرين سورة من كتابه العزيز بحروف هجائية مقطعة بلغت في مجموعها أربعة عشر حرفًا، جمعها بعضهم في قوله:"نص حكيم قاطع له سر".
وفواتح السور هذه من المتشابه الذى اختلف العلماء في تأويله، فكانوا منه على مذهبين:
الأول: مذهب التفويض، وأصحاب هذا المذهب آثروا السلام، وتركوا الخوض في تأويلها خوفًا من أن يقولوا في كتاب الله برأى لا يستند إلى دليل ظاهر، فيعرضوا أنفسهم إلى غضب الله تعالى وعذابه في الدنيا والآخرة.
والقول على الله بغير علم من أكبر الكبائر وأعظمها جرمًا، كما صرحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
قال هؤلاء المفوضون: إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه، وهو سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى.
وفائدة ذكرها: طلب الإيمان بها، والتعبد بتلاوتها. قال أبو بكر - رضى الله عنه - كما جاء في"تفسير الخازن"وغيره: (فى كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوئل السور) .
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: (إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى) .
ومعنى الصفوة في كلام على هذا: الشىء الذى اصطفاه الله لنفسه واستأثر بعلمه.
وقد اعترض على هذا المذهب بأنه: لا يجوز أن يخاطب الله تبارك وتعالى عباده بما لا يعقلون، وهو القائل في محكم كتابه العزيز:"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُواءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص: 29) .
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن: هذه الحروف لا تكليف فيها من جهة العمل، وإنما التكليف بالإيمان بها والتعبد بتلاوتها كما قلنا.