والحكمة في ذلك إظهار كمال الانقياد والخضوع والتعبد لله تعالى، وفيه زيادة على ذلك التسليم التام، والتصديق الجازم، واليقين الصادق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، سواء عقلوا له معنى، أم لم يعقلوا له معنى.
وهناك كثير من الأمور التعبدية يقوم بها المسلمون المخلصون بكل خضوع وامتثال، وهم لا يعقلون لها معنى ولا يعرفون لها علة، كالطواف بالبيت، وتقبيل الحجر الأسود، والسعى بين الصفا والمروة، ورمى الجمار وغير ذلك.
وكذلك هذه الحروف ينبغى الإيمان بها، ولا يلزم البحث عن معانيها.
الثانى: مذهب التأويل، وأصحاب هذا المذهب قد اختلفوا في تأويل هذه الحروف اختلافًا كثيرًا.
فمنهم من قال: إنها أسماء للسور التى وردت فيها، وهو قول كثير من المفسرين، وهذا ليس بشىء لأنها جزء من السورة، ولا يكون الاسم جزءًا من المسمى.
ومنهم من قال: إنها أسماء لله تعالى، وقد نسب هذا القول لابن عباس - رضى الله عنهما.
وهذا القول ليس عليه دليل نعلمه، وهو يردنا إلى القول بأن هذه الحروف من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه.
فإن صح القول عن ابن عباس، فمراده: تفويض علمها إلى الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى لا نقف عليها إلا بالنصوص الصريحة.
ومنهم من قال: إن هذه الحروف أدوات تنبيه على غير ما ألف العرب مثل (ألا، وأما، والهاء من هذا وهؤلاء) .
وقد جاءت هذه الأدوات مبالغة في جلب الانتباه، وقرع الأسماع، فإذا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحروف مآدا بها صوته، ألقى المشركون إليه أسماعهم إصغاءً لما يقول فأسمعهم بعد هذه الحروف ما قد فروا من سماعه، وهو إثبات أن القرآن كتاب هداية كما في سورة البقرة، وإثبات أن الله واحد لا إله إلا هو الحى القيوم كما في سورة آل عمران، وهكذا سائر السور التى جاءت بأصول التوحيد، وقواعد الدين كلها.