تناول الدين بين الجد والهزل
لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الغزالي
بين الإنسان العربي اليوم والإنسان العربي في صدر الإسلام بون بعيد بعيد.
قد يكون انسان اليوم أفخر ملبسًا، أو أدسم مطعمًا وأوفره مركبًا، ولكنه من حيث الخصائص الروحية والعقلية تافه ضائع بالنسبة إلى أبيه الأول وسلفه العظيم!!
لقد ظهر العرب - منذ بدأ بالإسلام تاريخهم - أمة تقود ولا تقاد، وتدفع ولا تندفع وتمنح الآخرين المعرفة والخلق والقانون والحضارة؛ لأن ثروتها في هذه المبادئ هائلة وحاجة الغير إليها ماسة، والرغبة في العطاء موفورة.
أما عرب اليوم فيدهم السفلى ممدودة ترتقب العون المادي أو الأدبي ممن يعطى إذا شاء أو يأبى إذا شاء، وقد يتلقون اللطمة تلو اللطمة فما يستطيعون لفرط هوانهم أن يرفضوا ضيمًا أو يدركوا ثأرًا.
إن الفروق بين الإنسان العربي اليوم، والإنسان العربي أمس جسيمة؛ لأن الإنسان بالأمس كان صاحب إيمان عميق، وخلق عظيم، وقدرة على الحياة خارقة، وهمة في اجتياح العوائق فائقة!
أما إنسان اليوم فعريان من هذه الخصائص المعنوية.
ونحن اليوم نبذل جهود الجبابرة كي نطوي المسافة بين حاضره وماضيه، كي نعيده إلى الدين الذي صنع أمجاده، وجعل له في الدنيا دويًا كبيرًا، ولم يكن قبله شيئًا مذكورًا.
والناس قد يأخذون الدين شكلًا لا موضوع له، وصورة لا روح فيها.
وهذا اللون من التدين قد يكون أسوأ من الإلحاد المكشوف؛ لأن التدين المصحوب بالضعف والبلادة والذهول والغفلة تدين سخيف مهين، لا وزن له عند الله، ولا أثر له عند الناس!
وعندما حاول بنو إسرائيل قديمًا أن يأخذوا الدين بهذه الطريقة السمجة هددهم الله جل شأنه بالسحق أو يأخذوا الدين أخذًا معقولا!
أجل، لقد انتزع جبلا من مكانه، وهددهم بالدفن تحت ركامه، إذا كانوا سيتناولون تعاليم الدين بعزيمة خائرة وفكرة غامضة، قال تعالى: