عقائد الصوفية في ضوء الكتاب والسنة
الجيلي والإنسان الكامل (9)
بقلم
أ. محمود المراكبي
الحمد لله حمدًا يوازي نعمة الإسلام، ونشكره سبحانه على نعمة الإيمان، ونصلي ونسلم ونبارك على سيد ولد آدم، الذي عبد الله حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه ونحن معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
فقد وصلنا إلى نهاية المطاف في حديثنا عن وحدة الوجود، التي وضع ابن عربي أساسها، واعتبر اللاهوت والناسوت مجرد وجهين لحقيقة واحدة، والناظر إلى ظاهرها يسميها خلقًا أو الحقيقة الكلية في الصورة الخلقية، والناظر إلى باطنها وحقيقتها يسميها حقًا أو الحقيقة الكلية في صورة إلهية، وأن الحقيقة الكلية لا تتجزأ، فالإنسان هو المألوه المطلق، والحق هو الإله المطلق، ويعني بهذا كله الإنسان الكامل، الذي هو الحقيقة الكلية المسماة بالحقيقة المحمدية، وقلنا: إن ابن عربي فرق مفردات نظريته بين صفحات كتبه وألغزها عامدًا متعمدًا؛ حتى لا يلقى مصير من سبقه من الملاحدة، فصورة الحلاج على الصليب لا تفارق مخيلته، إلا أن أفكاره كانت المادة الخام التي أعاد عبد الكريم الجيلي سبكها في قوالب جديدة، وكان ذلك في القرن التاسع الهجري، حيث خيم على الأمة الإسلامية الضعف والوهن، وأصبحت الأمة كقصعة الطعام التي يتداعى عليها الأكلة من كل فج عميق؛ لذلك اختلف أسلوب الجيلي في كتاباته عن ابن عربي، واتسم بأنه أكثر وضوحًا وأقل إلغازًا وتعقيدًا.
أولًا: الجيلي على طريق الوحدة: