فهرس الكتاب

الصفحة 2164 من 18318

(مقال سبق نشره بعدد شعبان 1393 من مجلة التوحيد)

كم يصادف الإنسان تائهين في ظلام قد خلقوه بأنفسهم وارتضوا أن يعيشوا في هذا المناخ الذي يحجب عنهم نورًا ما أسعدهم لو أنهم أوقدوا شموعًا لرأوا الحق أبيض أبلج، ناصعًا تتلاشى أمام جحافله تلك الأوهام التي تتعمد أن تنحرف بأصحابها عن الطريق السديد.

وإن التائهين في الظلام منهم المخلص الحائر الذي تضعف فيه حاسة التمييز فلا يستطيع أن يختار، ومنهم المقلد الجامد الذي درج زمنًا طويلًا على الحياة في هذا الظلام، حتى ألفه وأصبح جزءًا من كيانه، فمن العسير أن يفارقه، ومنهم المتشهى بكل غريب يشبع به شهوة غروره ويملأ به هواه، ومنهم الجريء الذي يلغي من فكره كل معيار ويتمرد على كل فن معترف به ويخرج على كل علم مسلم به لأنه يحد من انطلاقه، ومنهم من غلبت عليهم العواصف الفارغة، ومنهم المهووس الذي يشبه البراغيث الهائجة يكثر التردد على الأندية ويغشى المجتمعات المتنافرة، ويتأثر بالفكرة وضدها لا يستقر له قرار ولا تهدأ نفسه ساعة من نهار يهيج ويهدأ، ويحب حبًا عارمًا، وسرعان ما ينقلب على محبوبه ناهشًا فاضحًا، حياته اضطراب، وسلوكه إعوجاج، وأفكاره سراب، وفؤاده هواء.

وأنا حين أكتب الآن عن التائهين في الظلام، لا أريد أن أكتب عن هؤلاء الذين يطالبون المعلمين بأن يكون لهم مصب واحد فحسب، وهو القرآن. ولست أدري كيف جهل هؤلاء القرآن الذي كثيرًا ما يحيل على الرسول عليه السلام والذي يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَلَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُّبِينًا} ، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ويقول عليه السلام: (( يوشك أن يكون أحدكم متكئًا على أريكته فيحدث بحديث فيقول بيننا وبينكم كتاب اللَّه ما فيه من حلال أحللناه وما فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول اللَّه مثل ما حرم اللَّه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت