المبدلون .. ولا تبديل لكلمات اللَّه
بقلم: حمزة أبو النصر
من دأب الفطرة السوية أن تعرف الحق إذا رأته، وتمضى إليه وتلتزمه، وأن تجيب إذا دُعيت إليه، وتتمسك به، وأن تعلنه صريحًا إذا اقتضى الظرف الإعلان عن الموقف.
لكن الفطر المريضة كالعين الرمداء تضيق بالحق كما تتأذى العين المريضة بساطع الضوء، وتمرض به كما يمرض السقيم بالعسل مع أنه العسل، فإن دعيت إليه تأبت، وإن نوديت إليه أعرضت، وإن لم تستطع له جدالًا ولا عنه إعراضًا علقت قبولها له بالتغيير والتبديل، وكأنما الحق- على ما هو عليه من الحق- لا يناسبها.
من أجل هذا كانت إجابة المؤمنين عند سؤال عما أنزله إليهم ربهم من كريم الوحى وقويم الشرع أن أعلنوا أنه الخير، واستخدامهم لفظة الخير دلالة على رؤيتهم للحق على أنه يجلب خيرا ويعقب نفعا. وهذه هى شهادة ربهم لهم {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا} [النحل: 30] .
لكن أهل الفطر المعوجة، لم يروا فيما أنزل اللَّه إليهم حقا، وما عدا الأمر في نظرهم- وشاهت العقول- أن يكون من الأساطير التى رواها الأولون {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النحل: 24] .
ولا يزداد الذين آمنوا بمعرفتهم الحق إلا إيمانًا واستمساكًا به واعتصامًا، ولا يزداد الذين كفروا إلا إباء وعنادًا وإعراضًا عن الحق مع اليقين بأنه الحق، فإن عجزت مجادلتهم عن إنكار أنه الحق فلم يستطيعوا أن يقيموا على افترائهم دليلا، علقوا قبولهم للحق على شرط أن يغير أو يبدل، كأنما يريدونه حقا يوافق هواهم، وقرآنا يتنزل طبقًا لما يرضيهم، فما ساءهم منه يجب أن يبدل بما يسرهم، وشاهت أفكار تظن أن الحق يمكن أن يكون غير ما هو: الحق ولا شيء غير الحق.