بقلم الدكتور / أمين رضا (رحمه الله)
يقول بعض العصريين: لماذا خلق الله الألم؟ ألا تقولون - أيها المتدينون المتمسكون برواسب العصور الغابرة: إن ربكم هو الذي خلق الكون وبث فيه الحياة؟ ألا تقولون عنه: إنه رحمن رحيم، وإنه يشفق بعباده ويرفق بهم؟ فأين هي الرحمة، والألم يستبد بالناس؟ ألا يدل هذا على أنه لا وجود لهذا الذي تصفونه بالرحمة؟ وهكذا انحدر بهم سؤالهم هذا إلى إنكار وجود الله مقلدين فيه فيلسوفهم الفرنسي العتيق الذي قال هذه القولة من قبل، فاتبعه من اتبعه من غير ترو ولا وعي.
إن الله يعلمنا فائدة الألم بما نجده في خلقه، ألم تر أطفالًا يولدون وحاسة الألم عندهم منعدمة أو قليلة؟ هؤلاء يمسكون الأشياء الساخنة من غير أن يشعروا بأنها تحرقهم، فيصابون بالحروق البالغة، وهم يلعبون بلا حذر، فتجرح أعضاؤهم وتنكسر وتلتهب وتتقيح وكل ذلك لا يحسون به، فتتمادى الأمراض في أجسامهم وتصيبها في النهاية بعاهات شديدة أو يموتون متأثرين بها، وكل ذلك يتم وهم لا يشعرون بأي شيء من الألم، ونحمد الله على أن مثل هذه الحالات نادرة جدًّا.
ويعلمنا الله شيئًا آخر عن فائدة الألم وهذا من الأمراض التي تبدأ بأوجاع شديدة، فهي تدفع المريض دفعًا إلى أن يسعى بحثًا عن الدواء، فإذا ما وجده واظب على تعاطيه مواظبة دقيقة، فيشفى شفاء عاجلًا مؤكدًا بإذن الله.
أما الأمراض - ولا سيما الأورام - التي تبدأ بسكون وهدوء، ولا تسبب ألمًا إلا بعد زمن طويل، فلا يسعى من يمرض بها نحو البحث عن الدواء إلا بعد أن يستفحل أمرها ويصعب شفاؤها.
إذًا فمنذا الذي يمكنه أن يقول: إن الألم لا فائدة منه؟ يكفى أنه إنذار ينبه الناس إلى ما يؤذيهم فيدفعون الأذى عن أنفسهم.
وإنك لتجد من يزين له تفكيره أن يسأل سؤالًا آخر، بعد أن تتبين له فائدة الألم؟ فيقول: ولكن لماذا يخلق الله إنذارًا مؤلمًا؟