نفحات قرآن
بقلم: بخاري أحمد عبده
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) ..
جسنا خلال سورة (يوسف) مشدودين، متأثرين بوقائع العصر مبصرين بمنظار الأحداث، حقائق التاريخ، خاشعين أمام أنباء فيها مزدجر، وعبر، إلا أننا لم نزدجر، ولم نعتبر.
ولعل من أسباب ارتباطنا المتلهف بالسورة الكريمة أنها سجلت الوقت الذي شتلت فيه فروع من شجرة إسرائيل، لتزرع في مصر، منذرة بالتكاثر، والتكاثف، لولا أن ابتلاهم الله بفرعون، فطاردهم حتى الموت، وبعض السم ترياق لبعض.
ومضينا وغايتنا أن نتدبر آية كريمة، تقرر مبدأ النقد الذاتي، القائم على البصيرة التي تستهدي الدوافع وتبصر العلل التي يمكن أن تؤثر إيجابًا، وسلبًا، وإعلاء، وخفضًا، ونشرًا وطيًا (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) .
واستروحنا بأشفية قرآنية، تأسو، وتحفز الهمم، هادية، حادية إلى موكب النور.
وقرأنا قرآنا يربي بالرؤي، ويؤدب بالقصة، ويعظ بالتاريخ، ويعرض من الصور، والأحداث، والمواقف ما يكشف المعادن، ويبرز المزالق، ويؤكد علو كلمة الله، ويحقق مبدأ أن الأرض لله، يورثها عباده الصالحين - بكل ما تحمل مادة (ص ل ح) من معاني الصلاح، والإصلاح، والصلاحية، والصلح، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون) .
وكلها - كما ترى - معان تتطلب يقظة، ووعيًا، وتقتضي الحركة المخلصة، والقلب السليم.
ووقفنا طويلًا مع سلالة إسرائيل، نتعمق كيانهم، ونسمع عواء الذئاب، وصليل الطين في أجوافهم، ونتمثلهم وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر.
(تراث وبئ)
وسلالة إسرائيل أملأ السلالات. بكدرة الطين، وأشدها انجذابًا إلى عنصر الطين.
وتوجيها إلى ما يتميزوا به من خواص عجيبة، اهتم القرآن بتشريحهم، وتحليلهم، وركز على خلال تكاد تكون مرجع معظم الشرور، خلال ترمى بالشرر، وتعمى بالدخان.