بقلم / مصطفى فهمي أبو المجد
قلت لصاحبي: قد أظلنا شهر كريم، حرم الله فيه الحلال.
قال (متعجبًا) : حرم الله فيه الحلال؟!
قلت: نعم، فالحرام حرام في رمضان وغير رمضان، ولكن شهوة البطن والفرج - وهما مما أحل الله - محرمتان في نهار رمضان، ولعل ذلك لحكمة سامية.
قال: وما ترى تلك الحكمة؟
قلت: إن شهوة البطن والفرج تعنيان غريزة حفظ الذات وحفظ النوع، وهما أشدالغرائز لصوقًا بالحياة وإخلادًا إلى الأرض، وفي الصوم سمو إلى القيم العليا، ومعراج إلى السماء، ولكن بشرط النقاء.
قال: وماذا تعني بالنقاء؟
قلت: أعني تفهم روح الصوم، والالتزام بجوهره، ونحن نرى الكثير من الناس الذين يمسكون عن المفطرات أثناء النهار، حتى إذا أقبل المغرب، انقضوا عليها انقضاض المنهوم بل الموتور.
قال: ولكن الله أباح المفطرات ليلة الصيام.
قلت: إني أتحدث عن الفكرة التي تقود عقول الكثيرين، وتجعلهم يحسون أنهم في نهار رمضان مكبلون بشتى القيود، وأنهم في الليل (منفلتون) من كل القيود، وما أراهم - بذلك - استفادوا من صيامهم شيئًا وإذا كان الأمر مجرد الامتناع عن أشياء بالنهار، ثم تعويضها بأكثر منها بالليل، فهل تظن أن ذلك يعد صومًا؟
قال صاحبي: إذن، ما الصوم؟
قلت: حقيقة الصوم أن تستصحب شعور الصائم في كل لحظات ليلك ونهارك، فأنت صائم حتى وأنت تأكل ليلًا؛ لا تنس أنك صائم، فلا تملأ معدتك بالطعام؛ لأن ذلك ينافي حكمة الصيام.
قال: وما حكمة الصيام؟
قلت: ذكرها الله، جل وعلا، في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183] ، والتقوى فكرة تملأ القلب، وتنبسط في الكيان، وتظهر على الجوارح، فكيف يشرق القلب بأنوار التقوى وقد أثقلته معدة متخمة وجسد ثقيل؟!
إننا نظلم الصيام، ونظلم أنفسنا كل الظلم حين نجرد الصوم من معناه الروحي، ونلبسه ثوب المادة، وبذلك يستحيل شهر رمضان - كما نرى - شهر الطعام والبلادة، لا شهر الذكر والعبادة.