1 -صفحات وضيئة من تراث علمائنا الراحلين:
هو من عند الله!!
لفضيلة الأستاذ الشيخ أبي الوفاء محمد درويش
رحمه الله
قالت امرأة عمران، بعد أن أثقلت واستبان حملها:
(رب إني نذرتُ لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت - في ألمٍ وحسرةٍ - رب إني وضعتها أنثى والله أعلم أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) [من سورة آل عمران الآية 35 - 36] .
ثم عنيت بها أكثر مما تعنى الأمهات ببناتهن، وأشبلت عليها كل الإشبال وومنحتها ثدييها ترتضع أفاويقهما كلما طاب لها أن تغتذي، وحلا لها أن تكن ألم الجوع.
حتى إذا شبت هذه النذيرة، واستغنت عن عناية النساء، واستطاعت أن تنهض بعبادة الله وخدمة المسجد سارت بها إلى المحراب، ووضعتها هنالك وفاء بنذرها، وهي ترجو أن يهيئ الله لها من يرعاها ويعنى بشأنها. فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا، واختصم فيها الأحبار، وألقوا أقلامهم: أيهم يكفلها، وكتبت الأقدار لزكريا أن يكون لها كفيلا، فأبدى لها كل حنو وحدب، وصار بها برًا، عليها عطوفا ورعاها الله في نشأتها، وهوت إليها أفئدتهم، وتتابعت عليها ألطافهم وهداياهم، وتوالت عندها تحفهم وهباتهم. وكان زكريا لا يغب زيارتها، ولا يغفل رعايتها، وكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا، فيأخذه لذلك عجب أي عجب، ولا يتمالك أن يسألها: (يا مريم أنى لك هذا) ويسمع منها دائمًا ذلك الجواب الحصيف: (هو من عند الله) . قول سديد، وجواب رشيد!
أجل، هو من عند الله، فإنها نظرت - على الرغم من صغر سنها - إلى مسبب الأسباب، ولم تنظر إلى الأسباب، نظرت إلى الرزاق ذي القوة المتين، ولم تنظر إلى المرزوقين الضعفاء المخلوقين، لعلمها أن كل رزق يناله الإنسان فالله تعالى مرسله، وكل خير يصل إليه فالرازق سبحانه ميسره.