يقول ابن كثير في (البداية والنهاية) :
لما حوصرت عكا من قبل الصليبيين في عهد صلاح الدين، رحمه الله، واشتد الحصار وتأخر النصر، وكان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها ويجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال وعمل الأسطول والكتب السلطانية، فمنها كتاب يذكر فيه: إن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب وارتكاب المعاصي بين الناس؛ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تُفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه وامتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار ويتأخر النصر! والمعاصي في كل مكان فاشية، وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع التوبة والإنابة منها، وأن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات والفواحش والظلم.
وإننا قد أوتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به.
فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله، ولا يرج إلا ربه، ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها، وإنما النصر من عند الله ولا نأمل أن يكلنا الله إليها، والنصر به واللطف منه.
ونستغفر الله من ذنوبنا، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل وفيض دموع الخاشعين قد غسل، لكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق.
وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبًا عدة من القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد .. فرحمه الله من إنسان، ما أفصحه، ومن وزير ما كان أنصحه، ومن عقل ما كان أرجحه. انتهى.
ابن كثير رحمه الله