التائهون في الظلام
للأستاذ محمد فتحي محمود
كم يصادف الإنسان تائهين في ظلام قد خلقوه بأنفسهم وارتضوا أن يعيشوا في هذا المناخ الذي يحجب عنهم نورًا ما أسعدهم لو أنهم أوقدوا شموعًا لرأوا الحق أبيض أبلج، ناصعًا تتلاشى أمام جحافلة تلك الأوهام التي تتعمد أن تنحرف بأصحابها عن الطريق السديد.
وأن التائهين في الظلام منهم المخلص الحائر الذي تضعف فيه حاسة التمييز فلا يستطيع أن يختار، ومنهم المقلد المجامد الذي درج زمنًا طويلًا على الحياة في هذا الظلام، حتى ألفه وأصبح جزءًا من كيانه. فمن العسير أن يفارقه، ومنهم المتشهى بكل غريب يشبع به شهوة غروره ويملأ به هواه، ومنهم الجريء الذي يغلي عن فكره كل معيار ويتمرد على كل فن معترف به ويخرج على كل علم مسلم به لأنه يحد من انطلاقه، ومنهم من غلبت عليهم العواطف الفارغة، ومنهم المهووس الذي يشبه (( البراغيث الهائجة ) )يكثر التردد على الأندية، ويغشى المجتمعات المتنافرة، ويتأثر بالفكرة وضدها لا يستقر له قرار ولا تهدأ نفسه ساعة. من نهار يهيج ويهدأ، ويحب حبًا عارمًا، وسرعان ما ينقلب على محبوبه ناهشًا فاضحًا، حياته اضطراب، وسلوكه اعوجاج، وأفكاره سراب، وفؤاده هواء.