فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 18318

فما أوقح هذه النفس المغرورة بربها التي تدعى أن اللَّه أهملها فظلمها، إذ لم ينعم عليها بالهدى، فلو أن الله هداها لكانت من المتقين، أي تريد هذه النفس الأمارة بالسوء أن يرغمها اللَّه على الهدى كأنها مجردة من العقل والإرادة، {أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} هذه حسرة ما فوقها حسرة، وندم ليس بعده ندم، إنه اعترف بظلمه وجرمه عندما رأى العذاب بعينه، وتمنى لو عاد إلى الحياة الدنيا ثانيًا ليكون من المحسنين، ولكن لات حين مناص.

إنه لم يتنهز فرصة الحياة ليعمل الصالحات الباقيات، فلم يقدم لغد، ولم يكثرت بوعيد ولا وعد، بل أعرض مستخفًا عما يرضى ربه، واتبع هواه ولم يتق غضبه، قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ} ، وقال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} .

وما أجمل ما قال فضيلة الشيخ محمد الغزالي في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} أمثال هذه البشارات الرحبة، يظنها القاصرون ذريعة إلى التقصير في العمل والاستهانة بالخطأ، وهذا وهم مغرق في الضلال، فما قصد بهذه النصوص إلا تشجيع المجاهد لهواه على المضي في طريقة، لا تقفه عثرة ولا تنكسر عزيمته في الخير لكثرة ما اقترف من الشر، ولا يقطن من رحمة الله مهما صنع مادام يريد استئناف حياة أنقى وأفضل.

إن صور النفوس أشد تنوعًا من صور الوجوه، والإرادة والوعي ههنا أساس التنوع والاختلاف. فامرؤ يقارف الجريمة مريدًا واعيًا يبصر آثارها كاملة. ويقدر على مجانبتها تمامًا ويرتب وسائلها ويهيئ ظروفها ويستعد لماجآتها، غير امرئ تنسلط عليه إحدى العواطف الحادة كالغضب أو الحب أو القرابة فيتورط في جنابة مندفعًا إليها اندفاع المنقوص الإدارة والوعي معًا، وكلاهما غير التي أعوزته أسباب القوت فسرق، أو أسباب النشأة الصالحة والتربية الضرورة فأفسد.

نعت صدقي

من كتاب الجزاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت