منهج السلف في تفويض الصفات
كثر القول وتزايد الحديث في كلام السلف- على نحو ما ارتأينا- عن علو الله واستوائه، وعن أن استواءه تعالى على عرشه المراد به علوٌّ وارتفاعٌ غير معلوم كيفيته، وذلك باختصار شديد وفي إيجاز لسببين أساسيين، أولهما: أن ذلك- فضلاً عن كونه فوق إدراكات العقول والأفهام- هو بالنسبة للمخلوق غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، وثانيهما: أن الكلام في الصفات متفرع عن الكلام في الذات، فكما لا يشبه الخالق المخلوق في ذاته لا يشبهه في صفاته .. فلأجل ذلك ثبت ورسخ لدى سلفنا الصالح ولدى كل من سار على درب هداهم، أن الاستواء معلوم والعلم بكيفيته معدوم وموكول إليه تعالى وما يعلم ... تأويله إلا الله،
وأنه سبحانه «استوى على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءً يليق بجلاله سبحانه، فلا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء،
بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد» (1) .
وقد جرت على ألسنة أئمة السلف وتابعيهم بإحسان عبارات تفصح عن أن لا فرق في ذلك بين صفة وأخرى، وأن الأمر على ما أخبر تعالى عن نفسه من «أن له سبحانه وجهاً بلا كيف كما قال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .. الرحمن/55) ، وأن له سبحانه يدين بلا كيف كما قال سبحانه (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ .. ص/75) وكما قال: (َبلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ .. المائدة/ 64) ، وأن له سبحانه عينين بلا كيف كما قال سبحانه: {تجْرِي بِأَعْيُنِنَا}
(القمر/ 14) (2) .