فهرس الكتاب

الصفحة 6135 من 18318

نفحات قرآن

بقلم بخاري أحمد عبده

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)

في معرض الحديث عن النقد، والنقد الذاتي استهدينا بأصول، ومواقف تكشف عن تأصل هذا الاتجاه في الإسلام، واستشهدنا بآثار فيها مراجعة للنفس، وتصحيح لمواقف، وعدول عن أقوال، انطلاقًا من وازع بشرى، أو توجيه سماوي.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الرائد الذي استقينا من سيرته شواهد تثبت صحة ما ذهبنا إليه، ونزيد فنذكر هنا جانبًا من سيرته الشريفة، يزيد الأمور وضوحًا، ويؤكد أن ذلك الاتجاه لم يكن عارضًا بل كان أصلًا، وطيدًا ينفذ بأضوائه إلى الأجيال. من ذلك:

1 -ما ورد في الصحاح من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أن القردة، والضباب (بكسر الضاد المشددة) ، والفئران من نسخ القرود التي مسخت، وواجه الناس بهذا الظن، ثم عدل - بهدى السماء - فيما يرويه مسلم عن عبد الله بن مسعود: (أن الله لم يجعل لمسخ نسلا، ولا عقبًا. وقد كانت القرود، والخنازير، قبل ذلك - أي قبل ظاهرة المسخ) .

2 -وقد يقال: إن الظان يتأرجح بين أمرين لا يستطيع أن يرجح أحدهما على الآخر، فإذا عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ظن خامره فإن هذا لا يشكل قضية، ولكن ما الرأى في موقف تصدى فيه رسول الله ليهودية ذكرت عذاب القبر بالتكذيب الزاجر، ثم أوحى إليه، فعدل، وصوب قولها، وأعلن ذلك في الناس؟ روى مسلم عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي امرأة من يهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فارتاع رسول الله وقال: (إنما تفتن يهود) قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (هل شعرت أنه أوحى إليَّ أنكم تفتنون في القبور؟) قالت عائشة: فسمعت رسول الله بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر. وعند البخاري عن أسماء: (ولقد أوحى إليَّ أنكم تفتنون في القبور مثل - أو قريبًا من - فتنة الدجال) .

لا شك أن روح نقد الذات تنعش وضاءة في مثل هذا الموقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت