عقائد الصوفية في ضوء الكتاب والسنة
الحلقة الثالثة
الشطح عند الصوفية
الحمد لله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وألحقنا بهم برحمتك يا أكرم الأكرمين ... وبعد:
فقد انتهينا في الحلقة الثانية إلى نتيجة هامة؛ وهي أن اسم التصوف والصوفي لم يُعرفا في الأمة الإسلامية خلال عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأن أول ظهور لهذه المسميات كان بعد المائة الثانية للهجرة.
الزهد في الإسلام
نناقش في هذه الحلقة تطور الفكر الصوفي الذي كانت بدايته مواجهة إقبال الناس على الدنيا بعد زمن الفتوحات الكبرى، وانشغال كثير من المسلمين عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فبدأ تيار ينادي بالزهد، والزهد في الإسلام كما عَرِفَه الصحابة؛ ليس في لبس المرقع من الثياب، وإنما في إيثار الآخرة على الدنيا، وعدم الوثوق بما في أيديهم اعتمادًا على ما عند الله، فهذا أبو بكر، رضي الله عنه، كان أغنى العرب عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه بذل ما يفنى رجاء ما يبقى، وأمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه، كان من أزهد الناس، وقد شغله العدل بين الرعية وخوف المثول بين يدي الله عن متاع الدنيا، وهذا خليفة الثالث عثمان بن عفان يشتري بئر رومة، ويجهز جيش العسرة ويشتري الأرض اللازمة لتوسعات المسجد النبوي وغير ذلك من إقدامه على البذل والعطاء، وهذا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، يسير على درب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويبذل نفسه التي هي أغلى من أموال الدنيا، يوم بدر وأحد وخيبر وباقي الغزوات.