مع القرآن
علوم القرآن أصولا ومنهجا
بقلم أ. د محمد بكر إسماعيل
أستاذ التفسير وعلوم القرآن جامعة الأزهر
ذكرنا فيما سبق أن من فوائد العلم بأسباب النزول أنه يعين المفسر وغيره على فهم المراد من كلام الله تعالى على وجه تطمئن النفس إليه، فإن من النصوص ما يتوقف معناه على معرفة سبب النزول كأن يكون المعنى مبهمًا لا يعرف من الألفاظ وحدها، ولا من القرائن المحيطة به، وإن منها ما يكون مجملًا يحتاج إلى تفصيل، أو مشكلًا يحتاج إلى تأويل، فتكون معرفة سبب النزول من العوامل التى تفصل الإجمال وتزيل الإشكال ونواصل الحديث في هذا المقال، فنذكر ما تبقى من فوائد هذا العلم بشىء من التفصيل فنقول:
1.من فوائد العلم بأسباب النزول بيان أن القيد في الآية غير معتبر في تقرير الحكم، بل هو لبيان الحال والواقع أو بيان الغالب ونحو ذلك.
كما في قوله تعالى في سورة الطلاق: (4) :"وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ".
فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد بين ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية التى في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقى عدد من عدد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار، فنزلت. أخرجه الحاكم عن أُبى (1) فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة وارتاب: هل عليهن عدة أو لا؟ وهل عدتهن كاللاتى في سورة البقرة أو لا؟ فمعنى:"إِنِ ارْتَبْتُمْ"إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتدون فهذا حكمهن.
ومثله ما جاء في قوله تعالى من سورة النور (33) :"وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ"